ابن أبي الحديد

208

شرح نهج البلاغة

الشرح : هذه الكلمات والأمثال ملتقطة من خطبة طويلة ، منسوبة إليه عليه السلام ، قد زاد ( 1 ) فيها قوم أشياء حملتهم عليها أهواؤهم ، لا توافق ألفاظها طريقته عليه السلام في الخطب ، ولا تناسب فصاحتها فصاحته ، ولا حاجة إلى ذكرها ، فهي شهيرة . ونحن نشرح هذه الألفاظ ، لأنها كلامه عليه السلام ، لا يشك في ذلك من له ذوق ونقد ومعرفة بمذاهب الخطباء والفصحاء في خطبهم ورسائلهم ، ولان الرواية لها كثيرة ، ولان الرضى رحمة الله تعالى عليه قد التقطها ونسبها إليه عليه السلام ، وصححها وحذف ما عداها . وأما قوله عليه السلام : " بنا اهتديتم في الظلماء " ، فيعني بالظلماء الجهالة ، وتسنمتم العلياء : ركبتم سنامها ، وهذه استعارة . قوله : " وبنا انفجرتم عن السرار " ، أي دخلتم في الفجر ، والسرار : الليلة والليلتان يستتر فيهما القمر في آخر الشهر فلا يظهر . وروى " أفجرتم " ، وهو أفصح وأصح ، لان " انفعل " لا يكون إلا مطاوع " فعل " ، نحو كسرته فانكسر ، وحطمته فانحطم ، إلا ما شذ من قولهم : أغلقت الباب فانغلق وأزعجته فانزعج . وأيضا فإنه لا يقع إلا حيث يكون علاج وتأثير ، نحو انكسر وانحطم ، ولهذا قالوا : إن قولهم انعدم خطأ وأما " أفعل " فيجئ لصيرورة الشئ على حال وأمر ، نحو أغد البعير ، أي صار ذا غدة ، وأجرب الرجل ، إذا صار ذا إبل جربى ، وغير ذلك . فأفجرتم ، أي صرتم ذوي فجر . وأما " عن " في قوله : " عن السرار " فهي للمجاوزة على حقيقة معناها الأصلي ، أي منتقلين عن السرار ومتجاوزين له . وقوله عليه السلام : " وقر سمع " هذا دعاء على السمع الذي لم يفقه الواعية بالثقل والصمم ، وقرت أذن زيد ، بضم الواو فهي موقورة ، والوقر ، بالفتح . الثقل في الاذن

--> ( 1 ) ب " رأى " .